Monday, 14 June 2010

في ذكرى اليوم العالمي للتبرع بالدم... قصة حياة امرأة موريتانية

يوم 14-06 هو اليوم العالمي للتبرع بالدم من أجل إنقاذ حياة و مساعدة ضحايا الحوادث والذين يحتاجون لأن يعيشوا لحظات في حياة قد لا تستحق أن يعيش فيها الإنسان أكثر مما يريد.....

طبعا بهذه المناسبة يتبادر إلي الذهن الحديث عن كل الخروقات والاستغلال الذي يقوم به بعض الخفافيش ممن يطلقون على أنفسهم ممرضين وأحيانا بعض من أشباه الدكاترة الذين وصلت بهم الوقاحة و واللامسؤولية المتاجرة بحياة البشر و الترويج لحوانيتهم الشخصية التي يسمونها بعيادات يكتسبوا بها شهرة في القبيلة أو أكل أموال المساكين أو مماطلة الأغنياء....
إن الحديث عن التبرع بالدم في موريتانيا أشبه ما يكون بالعزف على وتر ممزق في عود تحطم بعد أن ضربه صاحبه بعرض الحائط كما تضرب حياة المساكين الذين يلجئون بسبب الحاجة إلي مركز الإستقطاط الوطني.....

هناك الكثير من القصص الواقعية التي حدثت لمواطنين كانت حياتهم تعتمد على قطرة دم يبيعها جشع و يحقنها مصاص دماء في ظروف أشبه بمزبلة على قارعة الطريق تفوح منها رائحة الموت حتى وإن كنت مجرد زائر لبضع دقائق لأحد المحكوم عليه بالمرض إن كانوا بحالة سلامة أو بالموت إن كان فيهم ما يستدعي التداوي....

هذه القصة التي أكتبها الآن حقيقة وقعت منذ أسابيع في قسم الحالات المستعجلة في المستشفى الوطني الوحيد في نواكشوط....

بدأت بمرض مريم في مدينة الطيطان، المدينة المريضة والمنكوبة هي الأخرى ، لم تجد المرأة هناك من يشخص لها المرض وبقيت تصارع الموت في صمت وتوكل على الله- ونعم بالله- في حين بدأ زوجها رحلة من العناء و التسول عند المحسنين ورجال القبيلة ليحصل بعد كل السخاء على مبلغ 100 ألف أوقية ليحمل زوجته المسكينة إلي مدينة نواكشوط التي يتمركز فيها كل شيء حتى الهواء والنسيم و الحياة تتمركز في مباني الحكومة و تحت رحمة شرذمة من الناس الذين لا ينتمون إلي وطن ويعبدون المصالح الخاصة فقط...

بعد 7 ساعات من السفر وصل إلي بوابة المستشفى الوطني واتصل بأخيه الذي يسكن في "كزرة" عرفات في غرفة واحدة و أمبار و بنطرة مع 8 أولاد. كان على الرجل أن يدفع المبلغ المطلوب عند الباب قبل أن يسمح لمريضه بالدخول إلي مبنى المستشفى حيث عليه الانتظار لساعة ونصف قبل أن يخرج الطبيب من غرفته التي كان يشرب فيها الشاي ويداعب ممرضة دخلت إلي المستشفى أصلا لتنظف الدهاليز لتصبح بعلاقاتها الحميمة الخاصة تسهر في العمل لتخفف من آلام الأطباء قبل المرضى.....

جاء الطبيب وبعد نظرة خاطفة أمر الرجل أن يحضر الدم اللازم لأن المرأة نزفت الكثير من الدم بعد سقوط جنينها بسبب الجهل و صعوبة ظروف الحياة في البادية و طبيعة العمل الذي تقوم به النساء في قلب الصحراء دون وجود حتى للحمير لمساعدة الناس لأن الحيوانات نفقت أو هاجرت لصعوبة ظروف العيش....

خرج الرجل المسكين يسأل عن محل بيع الدم فدله أحدهم على متقاعد مشهور يبيع الدم أمام باب المستشفي ودائما يجلس مع الحرس عند الباب الخارجي....

سقط الرجل بإرادته في شرك المحتال ومصاص الدم و باع له أكياسا من الدم وحملها الرجل على جناح السرعة إلي الطبيب الذي لابد من انتظاره أو البحث عنه في دهاليز تفوح فيها رائحة الشماتة و اللاإنسانية. لكن هذه المرة بقدرة قادر كان الطبيب لازال في الغرفة المجاورة يغازل فتاة تجلس على بلاط الغرفة قرب امرأة يبدوا أن الأقدار حملتها إلي هناك على جناح المأساة و الضياع....

أخذ الطبيب الدم ودون فحصه حقن به المرأة التي حاولت أن تبتسم لزوجها الذي كانت تبحث عنه في الغرفة الجديدة عليها، هذه الابتسامة التي سرعان ما غابت إلي الأبد بمجرد أن أختلط الدم الذي أحضره الرجل بدمها الطاهر البشري مما حدا بالطبيب إلي التعجب وأخذ عينة من الدم ودلكها بين أصابعه ليؤكد للرجل المسكين الذي يقف بجانبه يتفرج على المسرحية الهزلية التي تودي بحياة زوجته وأم أبنائه بدم بارد.... لم يتردد الطبيب في أن يجزم للرجل أن الدم الذي أحضره ليس دم بشر وإنما دم "نعجة" من الضأن وأنه لهذا السبب ماتت زوجته وعليه أن يبحث عن الذي باعه هذا الدم لعله يرجع له على الأقل المبلغ الذي صرفه.....

هل يجهز الرجل جنازة زوجته؟ أم يترك جثتها ليبحث عن خفاش ومصاص دم من بين آلاف مثله في مجمع للمتاجرة بأرواح البشر؟ أم أنه يقول: هذا القدر و مكتوب عليها أن تموت هنا وبهذا السبب التافه وإنا لله وإليه راجعون....؟

أليس من العبث أن يرفع الرجل المسكين قضية ضد بائع الدم والطبيب والمستشفى؟ لكن أين هي المحكمة؟ بل كيف لرجل من العامية أن يرفع قضية ضد طبيب وأين سيجد المال ليدفع مستحقات محام يشرب من الدم أكثر من بائع الدم في المستشفى الوطني، آخر محطة في الحياة....

Friday, 11 June 2010

موريتانيا... الإعلام وحوار الثقافات أم حوار الثقافة و دور الإعلام

ليلة البارحة يوم الخميس 10-06- 2010 وفي حضور نخبة من المفكرين الموريتانيين: صحفيين ووزراء سابقين للإعلام و أساتذة جامعيين وبعض الضيوف الأجانب، بدأ ت الجلسة التي انعقدت في فندق الخيمة تحت شعار "الإعلام العربي وحوار الثقافات في عالم متغير" بإشراف من مركز أمجاد للثقافة والإعلام….

تمحورت المداخلات بشكل يكاد يكون منسقا أن حوار الثقافات يشكل معضلة وأن الإعلام في الوطن العربي يشهد تضخما أو طفرة فوضوية أو نهضة، حاول المشاركون إثارة بعض التساؤلات حول الخطاب الإعلامي وإشكالية حوار الثقافات في عالم متغير.....

لكن الغريب في الأمر أنه لم يحاول أي واحد من هؤلاء الحضور والمشاركين والنخبة المثقفة التشكيك في حوار الثقافات و تجاوز أطروحة صدام الحضارات، بل إن الكثير منهم أحيى شجون الصراع التقليدي و الخلاف الأزلي بين الذات والآخر الذي طالما وقف حاجزا سميكا يمنع الذات العربية الخروج من البوتقة و القمقم الذي سقطت فيه بسبب تضخم الذات و التعميم و تناول المواضيع من منظور فضفاض...

من النقاط أيضا التي تثير التساؤل التخلف الفكري الذي تعكسه المراجع والكتب التي لجأ إليها معظم المتدخلين مثل "نهاية التاريخ و الإنسان الأخير" لفرانسيس فوكوياما الصادر 1989 و "صراع الحضارات" لصمويل هنتكتون الصادر 1993 و أطروحات المفكر الفرنسي روجي جارودي، حيث كل هذه الكتب والأطروحات تم تجاوزها منذ عشر سنوات على الأقل في الوقت الذي لا نزال نعتبرها المرجع و الأصل في أي وقت نذكر أو نسمع فيه حوار الثقافات أو صدام الحضارات....

يجهل أو يتجاهل هؤلاء أن حوار الثقافات لم يعد قائما لأن الأطروحات أثبتت أن الثقافات تتعايش وتتفاعل و لا تتحاور بل إن الأفراد هم من يتحاور، أما الحضارات فلا تتصادم بل تتعاقب وتتواصل....

إننا لازلنا نجتر بعض الأطروحات و الفرضيات المنتهية الصلاحية، قد يكون ذلك نتيجة لأننا في العالم العربي، وليس فقط في موريتانيا، نعيش على الترجمة من اللغات الأخرى والتي أحيانا لا تصل إلينا إلا بعد 5 إلي 10 سنوات. عندما تقرأ على سبيل المثال أي كتاب من مجلة عالم المعرفة الكويتية ستلاحظ أن الفترة بين الطبعة الأصلية باللغة الأجنبية و الترجمة لا تقل عن خمس سنوات.....

لهذا السبب أو لأي سبب آخر لازال مثقفونا يتبجحون بكتب عفي عليها الزمن كما قال لي أحدهم وهو يتحدث عن الغرب و انتشى وهو يذكر اسم ادوارد سعيد، المفكر الفلسطيني الأصل و الأمريكي النشأة والفكر، لكنه تفاجأ عندما بدأت بدوري أنتقد أدوار سعيد، على الرغم من إعجابي الشديد به، مستشهدا بأحمد إعجاز وبنتي ولومبا وبهابها وكثيرين ممن أخذوا على أدوار سعيد أنه يتناول الغرب في "الإستشراق" و "الثقافة والإمبريالية" و "قضية فلسطين" وكأنه وحدة متجانسة ومجتمع واحد في حين أن الغرب مجتمعات هجينة وتختلف اختلافا صارخا....

هذا النوع من الاجترار و العيش على فتات النظريات الميتة هي التي، في اعتقادي، أدت إلي اختيار عنوان الندوة الذي يبدوا عائما وفضفاضا وشموليا، فلماذا نحاول دائما أن نكون عائمين وسطحيين؟ هل هي سجية في اللغة العربية كلغة؟ أم أن لها علاقة بالمنظومة التربوية التي تعلمنا دائما أن نجتر ونتكلم عن الآخرين بدل تناول الذات؟ أم أنه ليس بل مجرد محاباة ثقافة التفكير النمطي...؟
طبعا لا يسعى هذا المقال إلي تحليل العجز ومكان الخلل في العقل العربي وعلاقاته بالمشاكل الذاتية والخاصة بدل السبح في عوالم لا حدود لها.....

على سبيل المثال، أعتقد أنه كان من الأولوية أن يغتنم المنظمون لهذه الندوة القيمة عنونتها ب "دور الإعلام بحوار الثقافة في موريتانيا" لأن ذلك سيسمح لمثقفينا بالتفكير في حلول لسوء التفاهم والتناقض الذي تعيشه ثقافتنا الإسلامية و وهويتنا التاريخية و العلاقات الاجتماعية في وطننا الذي تحاصره المشاكل من كل حدب وصوب.....

أليس من الحري بنا الحديث عن أنفسنا بدل عقد المؤتمرات عن الإعلام العربي وحوار الثقافات في عالم متغير، طبعا أنا أوافق على آخر عنصر من العنوان والذي تم تجاهله تماما ربما بسبب خوف المثقفين من الغيب أو من تناول حقائق تلتصق بالمعيش واليومي والتاريخي والاقتصادي وبالحاضر والمستقبل....

لماذا نريد دائما صيد الطيور في السماء، ونتجاهل التي نرى على الأرض....

Tuesday, 8 June 2010

غزة: جدلية الداخل والخارج

هب الشارع الموريتاني كعادته بكل عفوية وسذاجة لنصرة غزة ورفع حزب تواصل صور البطل الهمام والحارس السابق للسفارة الأمريكية في أبوظبي ونسي الشارع الموريتاني أن هناك بطل آخر يستحق الذكر ولو لم يشفع له التملق السياسي في بلاد المليون سياسي....

كان ولد الغلام ومحمد فال ولد بوخوص على متن قافلة الحرية التي كان من الأجدر بها أن تبحر إلي شواطئ الصومال أو حتى أن تأتي إلي موريتانيا لكسر حصار ضرب على آلاف الجياع والمحرومين في بلاد تعود أهلها على القناعة حتى أصبحت قناعا وتملقا وتطاولا على الواقع لتجاوز خارجة الداخل وداخلية الخارج....
في البدء كانت قضية غزة قبل أن تولد والدتي، وولدت أنا وكبرت وترعرعت على وقع لغو كلام عربي و تنديدات من جامعة غربية رأس مالها الإفلاس السياسي و التقهقر الإقليمي مع بعض من مؤشرات التملق والخيانة، ظل حلم تحرير غزة بأيد عربية حبيس مظاهرات في شوارع مغبرة تفتقد في أغلب الأحيان إلي بنية تحتية تليق ببعض الناس المأدلجين و المتظاهرين المدجنين بحقنة من أمل مفقود في دولة لا توفر لمواطنيها الأمل في الحياة....

فكيف نعطي ما لا نملك؟ ولماذا نعتقد أن الكلام والمظاهرات والتنديد والشجب والخطابة الجوفاء يمكن أن ترجع الحق المسلوب؟ ألم نتخلى عن كرامتنا منذ أزيد من 60 سنة ؟ أم أننا شعب أصبح يقتات على وجبات سريعة متعفنة وخطاب إعلامي طبخ بأدنى معايير الجودة في مطاحن صدئة في قناة الجزيرة، الماركة الأولى في إعلام من لا يعرف الإعلام و كل من يطرب لسماع الخطابات القومية والعربية....؟

إن جدلية الداخل والخارج لقضية فلسطين بدأت تختزل في غزة التي لا تتجاوز مساحتها 150 كلم مربع، أزمة الشعب الفلسطيني لم تعد تذكر بل غزة أصبحت فلسطين و أهمل البعد الداخلي لحساب خارجية الداخل...
ظلت الشعارات والخطابات التي تتحدث اليوم عن فلسطين لا تذكر إلا غزة بما في ذلك التقارير العربية و الدولية، لأن حماس قامت بانقلاب على الوحدة والشرعية الفلسطينية عندما وصلت إلي صناديق الاقتراع عن طريق توظيف الخطاب الديني شأنها في ذلك شأن كل الحركات الإسلامية في أغلب دول العالم، الذين يؤمنون بالديمقراطية فقط مرة واحدة عندما يصلون إلي الحكم ثم يعلنون الخلافة إلي الأبد....

قد يسيء البعض فهمي كعادتهم، لكني أخاطب الذين تعلموا أن يتعجبوا ويفكروا ويثيروا التساؤل حول الأشياء الدقيقة التي تساهم في بناء الخطابات الإيديولوجية والعربية، التي أضحت عملة رائجة في المجتمعات العربية عندما قلت ابن عربي والحلاج وتخلت عن المنطق والعقل والرزانة لتغرق في بحر العاطفة و التملق وتقبل الإهانة في عهد الميغا امبريالية و "الذلقراطية" باسم التظاهر بالتضامن مع شعب و إضمار الحقد والشرذمة لآخرين....

أنا طبعا لست ضد الدفاع عن غزة، بل أؤمن بحل عادل يكفل للفلسطينيين المصالحة مع الذات وقبول حقيقة الآخر، أما نحن في موريتانيا فكفاها تملقا و تفرقة وتظاهرا وكلاما لأن جميع العالم لا ينظر إلي الشعوب العربية بصفتها طرفا في المعادلة بل كظواهر لغوية وحسب، وقد بدا هذا واضحا مع دخول تركيا على الخط و سحب البساط من تحت أمراء النفط ورؤساء البؤساء و أئمة المصالح المرسلة و التملق المتواصل....
أعتقد أنه من الأنسب والأجدر بنا العمل على بناء الذات وحجز مكان على متن قافلة الحرية الحقيقية التي ليست فقط مجرد قوافل للشحن يعتليها البعض ليعود بخفي حنين ويمنح لقب بطل الحرية وهو لم يعرف الحرية أبدا في وطنه لكنه يكذب على الآخرين ليصدق كذبته...

إن ما أطالب به هو العودة إلي الداخل و رأب الصدع وحل المشاكل وزرع بذور التنمية وسقيها بماء الاستقرار السياسي و تعليم الأجيال كيف تفخر بالوطن وتربيتها على حب و احترام الذات ليحترمنا الآخر و يحسب لنا ألف حساب بدل العزف على وتر التفرقة وتجرع رحيق الهزيمة والانهزامية في عقر الدار دون الوصول حتى إلي عزة التي نرى في قناة الحريرة. حتى غزة تلك على شاشة الحريرة أجمل ألف مرة من نواكشوط و أكثر جامعات من الجمهورية الإسلامية الموريتانية على الرغم أنهم يعيشون منذ 60 سنة في حرب استطاعوا خلالها القضاء على الأمية والجوع، أما نحن فأصبح الجوع خبزنا والأمية طموحنا و الجهل طريقتنا في تبني الشعارات والتصفيق للسراب وانتظار الطوفان...

Tuesday, 1 June 2010

"أحزان فلسطين في ارض سنقيط .... ؟!!"

لم أكن قد عرفت مقر السفارة الفلسطينية في نواكشوط قبل يوم أمس حين لفت انتباهي وأنا أزور محلا لبيع الخزف الإفريقي لشراء هدية لصديق أجنبي، حين وقعت عيني على يافطة كتبت بخط رديء تشير إلا أن الدار القصيرة المتهالكة في قلب العاصمة هي سفارة فلسطين في الجمهورية الإسلامية الموريتانية. كتب على تلك اليافطة وتحت شعار السفارة جملة يبدوا أن كاتبها لم يدخل النظام التعليمي الرسمي أبدا، كانت الجملة كالتالي: "أحزان فلسطين في أرض سنقيط".....

هذه الجملة حملتني معها في خضم كثير من التناقضات والنفاق السياسي و التحولات التي يشهدها العالم الإسلامي والعربي اتجاه قضية فلسطين، حيث لا يخفي أن القضية الفلسطينية كانت ورقة تربح أحيانا وتخسر أحايين أخرى عند الكثير من الدول العربية و تستخدم كتبرير لكثير من تجاهل المشاكل الداخلية التي هي أكثر إلحاحا في نظري من أي قضية إقليمية أو دولية ولو كانت فلسطين، لكن هذه الورقة تم انتزاعها من اللاعبين العرب و بدأ استغلالها من طرف بعض الدول الإسلامية و الأوروبية الأخرى مثل تركيا و اليونان. غير أن تركيا تعتبر الأكثر تحمسا لاستغلال الموقف و الدفاع عنه ولو كان ذلك على حساب الدول العربية التي أثبتت تخلفها ورجعيتها وتدهورها على جميع المستويات الاجتماعية و السياسية والاقتصادية.....

لن أحاول تخصص هذا المقال لتحليل الخطط الإستراتيجية لتركيا من خلال تبني القضية الفلسطينية ا وإن كانت تلك الطموحات تستحق التساؤل والتمحيص، بل سأكتفي فقط في هذه الأسطر بالتلميح إلى التناقض السياسي والشعبي الذي تعيشه القضية الفلسطينية في موريتانيا. وكيف يحاول الإعلام العربي مجسدا في أسوء قناة قومية عرفها التاريخ العربي الحديث وهي قناة الجزيرة الفلسطينية والإخونجية ودورها في سلب وتهميش المواطن العربي من سياقه المحلي لتزرعه بوعي مزيف في كونية مزورة وملفقة يطلق عليها "القضية الفلسطينية"....

أنا أجزم بأن العالم يجب أن يقف مع المظلومين والمهمشين والمحرومين و المحتلين في كل مكان من إقليم التبت و تركمستان وأوزبكستان وسيربيا والفلبين و بيرما إلي الصومال والسودان و اليمن وموريتانيا وفلسطين، بل أنا مع أي قضية عادلة من أجل حقوق جميع الناس الذين يحلمون بالعدالة والحرية والديمقراطية و المساوات، لكن مالا يمكن قبوله هو أن يراد للمواطن العربي أن يؤمن بقضية واحدة ويختزل فيها أبشع صور الحرمان و الضياع و الإحباط التي تلف العالم اليوم من شماله الي جنوبه.....

إن الجملة التي كتبت هناك تعكس مدى الإحباط واليأس والتفنن في تصدير الأحزان والحرمان عبر الحدود، فمن ينظر إلي موريتانيا يجدها أكثر حزن ويأس من فلسطين على الرغم من الهدوء السياسي النسبي و البراكين الاجتماعية الخامدة، فموريتانيا كغيرها من الدول العربية تصطلي على نار هادئة من الفساد السياسي والتخلف الاقتصادي، بينما يراد لجميع الشعوب العربية التخلي عن هذه المسؤوليات الداخلية والوطنية والدفاع عن قضية تجاوزت المشاعر والدين والتعاطف الأعمى لتصبح أيديولوجية يجترها بعض الناس السذج والبسطاء والذين لا يؤمنون بأوطانهم...

فقافلة شريان الحياة أو الحرية التي تحدث اﻵن زوبعة إعلامية لا تستحقها، هي دليل على الإحباط والتشبث بآخر قشة، فالتسمية في حد ذاتها تعكس الاحتضار و الضياع والبحث عن أمل للحياة في قضية أصبحت من البلاغة و اللغة والحديث عنها لا يتجاوز الحنجرة بينما الشعوب الأخرى تتكلم لغة الأفعال. فلماذا نطالب أي دولة أن تسمح لقافلة تحمل معها شتات من الناس أن تدخل أرضها أو تهدد أمنها بأي حجة أو ذريعة، في الوقت الذي إذا حاول شاب عربي أو مسلم من موريتانيا أو الصومال السفر إلي تركيا أو اليونان يرفض ويمنع من التأشيرة.....

من الملاحظ أيضا أن الخطاب الديني دخل على الخط مع الجانب الإعلامي للترويج لقضية فلسطين في سابقة من نوعها، فمثلا شهدنا في موريتانيا الأسبوع الماضي زيارة للعلامة والعالم الجليل يوسف القرضاوي، دعى خلالها إلي الجهاد و توسل فيها بالدعاء لحاكم لا يعرف عنه ما يخول له من الكلام ما قال. أما على المستوى الشعبي، فقد تجلى أن الهدف من وراء الزيارة هو التسول وجمع التبرعات من شعب يحتاج إلي من يتبرع عليه و يساعده.....

ولكن على الرغم من الفقر المدقع و الجفاف والقحط المعرفي والسياسي و الاقتصادي الذي تعاني منه موريتانيا، تبر ع بعض التجار بما يزيد عن مليار من الأوقية، فهذا أحد التجار أعرفه و أعرف خالته التي تسكن في أحياء الصفيح في عرفات تبرع ب 10 ملايين أوقية لأطفال فلسطين وتناسى ألأقرب ثم الأقرب، هناك واحد آخر تبرع ب 5 ملايين وأعلن على الملإ أنه لو كان يملك أكثر لتبرع به....

يبدوا أن الخطاب الديني في موريتانيا بدأ يغازل السياسة وهو الشيء الذي ينذر بكارثة حقيقة تضاف على الحيف والعجز السياسي الذي تتخبط فيه الدولة منذ عقود. فعلى الرغم من التقليدية المفرطة و التعصب الديني وضيق الفكر و التشبث الأعمى ببعض النصوص الدينية دون غيرها، ظلت السياسة والدين متوازيان في الدولة الموريتانية قبل ظهور بعض الذين يسمون تارة بإصلاحيين و أحيانا بأصحاب الصواب ويطلق عليهم البعض الآخر من البعثيين والقوميين "الطراطير".....

هذا النوع من التظاهر بالتدين على حساب الوطنية هو ما يأشر على تحولات سياسية خطيرة في موريتانيا وقوة سياسية موازية تتخذ من قضية فلسطين عاملا و طعما تصطاد به الأغبياء والمعتوهين فكريا والذين ينظرون إلي العالم من زاوية واحدة...

نعم نحن في موريتانيا نرحب بأحزان فلسطين و بمعاناة الصومال وألم العراق و بؤس السودانيين، لكن دون تقديس للقضية الفلسطينية والتلاعب بها كما يسعى لذلك بعض المرتزقة وضحايا قناة الجزيرة التي بدأت في الآونة الأخيرة تتخبط في حبال مصيدة كانت قد نصبتها يوما لنخبة من الصحافة العربية وغلفتها بغطاء قومي و ضمنتها خطابا كريها تعفن و بدأت رائحته تزكم الأنوف......

فلسطين في قلوبنا و مشاعرنا، لكن الوطن يجب أن يسكن عقولنا....

Sunday, 30 May 2010

The Odds of Being a Student/Teacher at the UnIvErSiTy of NoUaKcHotT

His name was Sadio Ly, he was a fourth year student when he passed away the eve of the final exam. The following morning when I received the news, which I was not prepared for. I returned from where I stood back home since my mood has been abruptly disturbed and the eagerness to start a new day has become the end of my day. That small piece of news has been recurrent in my mind for many days till I decided to write this article or rather just join few fragments together in form of sentences. I felt a sob blocking my voice midway somewhere between my heart and my mind……

For, in a situation like this where heart is broken and life is replaced by an anticipated death and where the echoes of memories speak louder than any language, any attempt to write will be just nothing but fragmenting and sentencing the self in few scrambled words which might never be able to convey the feeling of pain and sour tears falling apart carrying slices of the shattered self……

The girl spoke to me in a sad but very touching voice, saying that the student who had his shoulder broken died surprisingly one day before the final exam despite the fact he was denied a chance to recapitulate for his mid-term exam that he missed and the administration was not comprehensive for his case as he told me two weeks before his death, when I was examining him for the oral test in Speaking Skills……

That day, I saw a glimpse of hope and despair mingled together in his voice. He was very gentle and approachable, you get influenced whenever you hear him speaking, I recognized that when he was presenting his expose, in the context of my seminar, on ‘The Effects of Early marriage on Polar Community.’

After the girl confirmed to me the death of the young man whom I remembered vividly, she did not know that my heart has been broken and I could not prevent tears from pouring down from my eyes…..

I think when Sadio Ly was complaining about the incomprehensibility of the administration, he was provoking a big issue which many students were victims of the rigidity or narrow-mindedness of teachers. According to my experience, many teachers seem to be punishing and humiliating students instead of educating them and helping them to be more productive and positive citizens…..

My late student was not and he will never be the last victim as long as such policies are adopted by certain teachers who are not able to distinguish between being an educator or producer of the future generation and retaliating or subordinating anybody whom these teachers may have in the limits of their mercy. Many students told me that other teachers shout in their faces and speak to them in a humiliating language ( rubbish, shut-up, sit-down, who are you? and go-out), let alone that these teachers try to prove their superiority only through giving bad grades to the students…..

I remember one day, I had a discussion with one of these so-called teachers. I asked him WHY you always give lower grades to all students regardless to their differences and ability to understand? His reply was a giggle and then he said proudly “because these are still students and students can never get more than a lower grade as far as they do not read. These are not even students…..”

I was really surprised by such stereotypical attitudes that this teacher has about all the students with overgeneralizing. How can a teacher with such ideas help into raising up a reliable generation? Why such people are not given a chance to study about the psychology of students and be aware of what is labeled ‘pedagogy’ which is a key concept in the relationship between the educator and the educated?

I have been trying hard, in vain, to decipher the intricacies beyond the failure of our teachers and students because I was once a student at the university and I knew and still know how many teachers look at themselves as the only legitimate authority to decide for the future and destiny of hundreds of students who are supposed to be imbued and indoctrinated with self-confidence and self-reliance, but these teachers work on killing and marginalizing any students who would show any predisposition…..

It goes without saying that the UnIvErSiTy of NoUaKcHotT is just a prototype of the educational system prevailing in our country which has always been a failure rather than a place where people are to be given suitable chances to be good citizens and challenge the epistemological obstacles that many people can encounter in the long pitiful journey of life towards self-realization…..

In our educational system, there are no objectives or goals for the long-term scale. This absence of any kind of planning is the reason behind the huge gap between the student and the teacher. The students are coming to UnIvErSiTy of NoUaKcHotT as a seeker of knowledge expecting teachers to share with them experience and show them the right path to take, while ironically many teachers have chosen teaching only to avoid joblessness or at the best for prestige. This lack of communication between teachers and students has also meant to be like the discrepancy between the master and the disciple……

Throughout the long period of study at the UnIvErSiTy of NoUaKcHotT, students will never know the objectives for which they are studying and spending their precious time for, let alone to realize the potential talent. Teachers also do not bother themselves with caring about the future and talents of students because many of them look down at students as outcast and childish adults, wasting their time with attending classes at the UnIvErSiTy of NoUaKcHotT. This conviction of many teachers is justifiable since it reflects their impotence to be aware of the responsibility of being up to the task……

This kind of untrustful relationship between students and teachers is a result of the ignorance of many teachers and the further discriminations within the humiliating strategies which teachers adopt whenever they want to emphasize their claimed superiority than all students. Teachers not only humiliate students but rather try, most of the time, to marginalize, mute, or silence other teachers if they look different or aspire to consider students not only as subordinators but also as future leaders of this country……

Elycheikh Bah Ahmedtolba

Friday, 28 May 2010

الدراعة" : إشكالية الهوية و الإختلاف "

إذا كان الفكر الإنساني قد استطرد طوال تاريخه السالف التفكير في الأشياء التي تبدو مهمة، نقصد هنا الوجود، الطبيعة وكذا الحقيقة. فإن هذه المساءلة لم تعد مطروحة حاليا، على اعتبار أن هذه الأشياء حسب مينشل فوكو لا تشكل حقيقة، نقصد هنا سؤال القيمة، نحن لسنا هنا بصدد الخوض، في كل تلك السلوكيات أو الممارسات اليومية، التي غالبا ما لا نعيرها اهتماما كبيرا. سوف نحاول مقاربة، هذه الإشكالية العميقة والمركبة بشكل يكشف عمقها الإشكالي، من خلال مقال أو نموذج "الدراعة" باعتبارها تجسد حمولة ثقافية، تقليدية وحتى وجودية. فما هي قيمة "الدراعة" كشيء في ذاته؟ وما هي علاقة هذه "الدراعة" بمن يرتديها؟ والأهم من ذلك، ما هي علاقة الدراعة ومن يرتديها بالمحيط الذي ينطوي تحت علمه هذا الفرد؟ خاصة إذا ما استحضرنا هنا، أن الدراعة توفر فضاءا معرفيا مستقلا عن هذه الثقافة الصناعية التي تنمط الفرد وتستعبده، حيث تقتل داخله روح التلقائية والعبثية، وتجعله كائن صناعيا أي مستهلكا، لا يأخذ مساحة نقدية من نفسه وكذا تمظهراته.....

على كل حال، سوف نحاول الانطلاق من محاولة فهم "الدراعة" كفضاء معرفي وكممكن، على اعتبار، أننا نفكر في الدراعة وفق شروط تاريخية مجتمعية، فكرية معينة. ذلك أنها لم تفكر من قبل بهذه الطريقة، لأنها ببساطة لم تكن مقبولة في الزمن الماضي.....

نحن نعول على قراءة واعية متفاعلة، هي محصلة تقديم الإضافة وجدت لتعكس ممكننا وسياقنا التقليدي، وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية، ألا وهو سؤال الأصالة والمعاصرة؟ علاوة على هذا، كيف تساهم الدراعة في إدماج أو إقصاء الغريب، على اعتبار أن الجماعة تستخدم تقاليدها لتنميط "الغريب" كما بينت ذلك جوليا كريستيفا....

أضف إلى ذلك، كينونة هذه العادة، نقصد هنا "الدراعة" كسلوك يومي وكتداول بين أفراد الجماعة الواحدة، ألا يمكننا أن نشكك هنا في مدى تمثيل هذه الدراعة أو أي سلوك يومي لهوية وخصوصية وفردا نية، وبالتالي وجود هذا الفرد، الذي يتطلع إلى إيجاد موقع له في ظل كل هذه التحولات والتغييرات المتسارعة، على كافة الجبهات، سواء كانت ثقافية، فكرية، اقتصادية...إلخ....

بعد أن حاولنا فهم هذه "الدراعة"، سوف ننتقل إلى محاولة أخرى، تخص إمكانية تفسير هذه الدراعة، وهنا لابد أن نقول، أننا لا نسعى إلى أن نكون يسارا في وجه كل يمين، كما أننا لا نريد أن نكون يمينا في وجه كل يسار. لكننا نهدف إلى إيجاد موقع، يمكننا من رؤية الأشياء كما هي، حيث لا توجد ضبابية. لعل أول سؤال، نصطدم به هو سؤال القيمة أي قيمة الدراعة، وهنا لا بأس أن نستدعي الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه، الذي يقول في كتابه "إرادة القوة" في الشذرة 493: "إن الحقيقة هي ذلك النوع من الخطأ الذي لا يستطيع نوع معين من الكائنات الحية أن يعيش بدونه. إن قيمة الحياة هي الشيء الحاسم في النهاية"....

لعل نيتشه في هذه الشذرة، كشف بكل وضوح عن رفض حقيقة الأشياء في ذاتها واستبدالها بالقيمة. فهل يمكن، أن نتحدث هنا عن قيمة "للدراعة" تجعلها تشكل هروبا أو تخلصا من هذه الثقافة الصناعية ونبذ لقيم المدنية، التي طغت فيها المنفعة على حساب القيمة. فنقطة التوتر هنا، هي ما مدى وجود قيمة حقيقة لهذا الشيء، الذي هو الدراعة: هل هي فقط مظهر يوحد الجماعة ويستبعد الغريب، أم أنها عقيدة لدى الجماعة، وثابت لا يمكن تجاوزه، على اعتبار تمثيله لخصوصية هذا الفرد وبالتالي خصوصية الجماعة. لاشك أن السؤال الثاني، الذي يخص علاقة هذه "الدراعة" بمن يرتديها أكثر صعوبة من سؤالنا الأول. لعل المدخل الملكي، لهذا التساؤل، هو سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بهوية هذا الفرد أو ذاك الذي يرتدي هذه الدراعة. فهل هذه الممارسة اليومية، التي أصبحت عادة، هي خطاب يستوعبه الفرد داخليا، أم أنه سؤال يعكس التشتت والتعدد، الذي "يتنافى" مع الهوية، التي تتداول كوحدة، وحال أنها خلاصة، تلك الاختلافات بين أفراد الجماعة الواحدة، ومثال ذلك، هو أن الناس لا يلبسون الدراعة كخطاب بنفس النظرة.....

بصدد هذه العلاقة المركبة أو اللعبة بين الفرد و الدراعة، ألا يمكن أن نتحدث هنا عن دراعة للاختلاف، على اعتبار، أن كثير من الناس الذين يرتدون الدراعة، لا يحملون نفس الأفكار والقناعات. فهذه السلوكيات أو التمثلات اليومية، تعكس رغم أنها "تبدو" مظهرا للوحدة، لكنها داخليا تجسد الاختلاف، بل وحتى التناقض، على اعتبار، أن الجماعة التي ترتدي الدراعة، ليست لها نفس العقلية، تجاه الدراعة، هنا نطرح سؤال آخر، يتعلق بمدى تحليل "الدراعة" كخطاب وكوجود، ألا يمكن اعتبار "الدراعة" استعبادا أو إيديولوجية فرضت على فئة من الناس، بسبب أنهم ولدوا، داخل جماعة تعتقد بالدراعة وتعتبرها جزء لا يتجزأ من وجودها. لكن هذا اليسار، يرى في هذه الدراعة، تنميطا كما يرى البعض الآخر في الثقافة الصناعة تنميطا. نحن هنا في متاهة أو مفارقة، هي الكل والجزء. فالأول يخص الهوية التي تمثل حقيقة هذه الجماعة أو تلك. والثاني يتعلق "بالدراعة كتمثيل" لهوية الهوية....

علاوة على ما سبق قوله، هناك مساءلة أخرى، أكثر عمقا، تخص هذه المرة علاقة الدراعة كتمثل والفرد الذي يرتديها بالمحيط الذي يعيش فيها: هل هي علاقة اتصال أم علاقة انفصال. لكننا بالتالي، سوف نعود إلى لعبة الكل والجزء، أي إلى التنميط عند البعض والهوية عن البعض الآخر. لكن ألا يمكن أن نتساءل أن دور الأحكام المسبقة، التي تعطى لكل من يفعل سلوك معين أو لباس معين. فمن يرتدي الدراعة مثلا، يعكس ثقافة البادية، حيث الكرم والجود والصدق. لكننا نجد أناسا لا علاقة لهم بهذه القيم السالفة الذكر. هذه المساءلة، تجرنا إلى ما مدى حضور المثقف الذي يرتدي الدراعة أو أي زي تقليدي، منه لا يفكر بعقلية العوام. لكنه يكون مرغما على ارتداء هذه الدراعة، حتى يقدم ولاءه وطاعته لهذه الجماعة....

إذا كانت "الدراعة" كخطاب يمثل "هوية" و"خصوصية" هذه الجماعة، التي ينتمي إليها، هذا الفرد، فإن هذه "الهوية"، التي تدعى الجماعة، إنها متطابقة وواضحة فيه نظر ذلك أننا نجد داخل هذه "الوحدة" اختلافات وتباينات لا يمكن تذويبها بأي حال من الأحوال....

ومما لاشك فيه، أننا نحاول "تحليل" أو"كتابة" هذه "الدراعة" بطريقة لم يسبق أن كتبت بها، على اعتبار، اختلاف الشروط التاريخية، الثقافية وحتى السياسية، التي تملي علينا "تحليلا" أي تحليلا يولد من كتابة تجد صدى لها في هذا الموروث الثقافي الغني أو هذا التراث، الذي يجتاح، إلى قراءة جديدة ومتجددة، تكشف، عن كل المكبوتات والأشياء، التي لم تكن موضع سؤال، لأنها ببساطة، كانت تعتبر من "البديهيات" التي لا يجوز نقاشها.

فهذه العادات، التي تمارس يوميا، يمكن أ، نتساءل هنا عن مدى إيمان الفرد، الذي يمارسها. هل هو فقط يقلد "الجماعة" التي تنمطه، أم أنه يمارسها عن قناعة وتشبع. على كل حال، في أي عادة، ولعلنا هنا بصدد "الدراعة"، لا يمكن الحسم في هذا الطرح، على اعتبار، اختلاف وتعدد وتكثر، هذه الرؤى والقناعات، لكن يمكننا، أن نقتسم مع الآخرين قناعاتهم حول هذه "الدراعة"، دون أن نكون مجبرين على الاعتقاد بحقيقة هذه العادة أو تلك. هكذا إذن، تتضح بجلاء، صعوبة القول في هذه العادات اليومية، التي تعلقت بمن يزاولونها حتى أصبحت جزء لا يتجزأ منهم، فهم يرون أنفسهم فيها وفي من يمارسها من جنسهم.....

بعد هذه السيرورة، التي قادتنا إلى مساءلة مهمة تخص عادة من العادات اليومية، التي غالبا ما لا نعيرها أي اهتمام، نقصد هنا "الدراعة"، فقد حاولنا مقاربة، هذه الإشكالية انطلاقا من التساؤل عن قيمة "الدراعة" في ذاتها، وكذا عن علاقتها بمن يرتديها، علاوة على هذا، تساءلنا عن طبيعة العلاقة بين الدراعة وصاحبها من جهة، والمجتمع، المحيط الذي يعيش فيه الفرد من جهة ثانية. وما يمكن التأكيد عليه، هو أن هذه المساءلة تقودنا إلى مساءلة أعمق تخص مفهوم الهوية.....

فهل يمكن اعتبار هذه الهوية "إيديولوجيا"؟ وإن كان ذلك صحيح، فما هو حضور هذه الإيديولوجيا في قناعاتنا وثقافتنا؟ وإلى أي حد يمكن أن نعتبر هذه الهوية تأسيسا لقيمة الاختلاف بدل

Tuesday, 25 May 2010

نواكشوط...... عاصمة للثقافة والتراث 200111

اعل الشيخ احمد الطلبة

في الوقت الذي يحاول فيه البعض تجاهل الواقع و أكل المال العام من خلال تمويل مشروع أو مبادرة "نواكشوط عاصمة للثقافة 2011 "، تجرف سيول الصرف الصحي و الروائح الكريهة قلب العاصمة، أكثر منطقة حركية و نشاطا في نواكشوط، عاصمة القمامات والروائح الكريهة. أليس حريا بهؤلاء الناس الذين يحاولون إقناع العالم بالزيف و تغليف الواقع بقناع الرشوة والغلول أن يهبطوا لأدنى مستويات المواطنة والعمل على نظافة وتحسين الوجه الكريه والمشوه لنواكشوط التي لا يمكنها بأي حال وهي بهذه الحالة المزرية أن تكون حتى عاصمة لموريتانيا؟ أم أننا لا نشعر بالهموم الداخلية للبلد إلا في حدود خداع الآخر وتضليله وتزييف
الحقائق....؟

إن مشروع نواكشوط عاصمة للتراث أو الثقافة هو واحد من المشاريع الكثيرة التي لا تعدوا كونها حبر على ورق أولا ثم مبالغ طائلة من العملة الصعبة في جيوب ثلة من المرتشيين الذين لا يشبعون ولا يقنعون، هي مبادرة خصصت لها الحكومة مبالغ طائلة و كوادر بشرية يقال إنهم من نخبة هذا البلد الذي أثبت فيه التاريخ أن العدو اللدود لمصلحته هو أبناؤه الذين يبيعونه في المزاد ألف مرة ومرة و يسوقونه مثل أي بضاعة رخيصة في سوق نخاسة سوداء دون ادني كرامة أو مسؤولية... ثم يعاد تعيين هؤلاء الثلة وتمكينهم كلما رحل أو ارتحل، حضر أو غاب، جاء أو ذهب رئيس أو وزير....

من المعلوم أن نواكشوط مرشحة لهذه المبادرة بمعية مدينة تافيلالت المغربية، و بحكم معرفتي للمدينتين، يمكن أن أجزم أن المقارنة غير واردة أبدا بين المدينة الواقعة في الجنوب الشرقي من المملكة المغربية و نواكشوط عاصمة دولة بأكملها....

في الولاية المغربية هناك بنية تحتية متكاملة و صرف صحي و مياه وكهرباء و طرق سريعة وأخرى وطنية جميلة ومدينة عالمية للسينما وحمامات رملية طبيعية يحج إليها العرب والغربيون من كل أنحاء العالم، بالإضافة إلي واحات النخيل الوارفة، وأكثر من كل ذلك هناك أمل يعلوا ابتسامة على وجه كل مواطن ربما يكون نابعا من ثقته في المستقبل أو رضاه عن ما تحقق في الماضي.....

بينما عندنا في نواكشوط الشوارع غير معبدة و نادرا ما تكتشف فجأة أنه كان هناك طريق أسود في يوم من الأيام قبل أن يندثر و يندرس تحت الرمال العاصفة التي تملؤ أعين الناس قبل الطريق....

كل شهر في عاصمتنا نشهد فيضانات تنبع من تحت الشوارع في قلب العاصمة منذرة بأن الصرف الصحي دفن تحت الأرض منذ أيام الاستقلال الأولى حيث كان سكان مدينة نواكشوط 250 نسمة أو أقل. هذا بالإضافة إلي أنه في عاصمتنا لا توجد أي حديقة عمومية ولا منتزه و لا أي مكان للترفيه يسمح للعائلات بالخروج من زنزانة المنزل والتخلص من ربقة الروتين الخانق، زيادة على كل هذا عندنا حمرة تعلوا الوجوه المشوية من لهيب الشمس الحارقة التي رسمت مع غبار المدينة ملامح الكآبة و الضياع العميقين على جبين كل مواطن موريتاني رغم محاولة البعض منا رسم ابتسامة تنم عن تجاهل الواقع أو عدم الانتماء للطبقات العامية.....

أعتقد انه من الأفضل أن نخصص هذه الأموال التي منحت للمشروع لتغطية أسفار البعض من المشرفين عليه وأجورهم العالية و الميزانية الضخمة أن تستثمر في إنشاء فضاءات خضراء عامة و القيام بقوافل تحسيسية للمواطن حول الحفاظ على البيئة و توعية الأطفال حول النظافة و دعوة جميع البلديات إلي التنافس في توفير البني التحتية المنشودة في كل بلدية بدل تجاهل المواطن العادي ومماطلته لأكثر من أسبوع فقط من أجل الحصول على مستخرج من شهادة الميلاد....

لابد أن نكون صريحين مع الذات والوطن ونخاف بطش التاريخ ونحاول مصالحة الجغرافيا، فالأجيال القادمة لن ترحم من لا يقوم بواجبة وستفضح كل من تقاعس عن القيام بمسؤوليته اتجاه هذا الوطن الغريق الذي يستغيث لتخليصه من براثن ثلة من العجزة والشيوخ الذين يستنزفون خيراته ويبيعونه لكل السماسرة و المتسولين.....

لابد أن نقول حقيقة واحدة مفادها أن نواكشوط كشبه عاصمة لا تنافس حتى دارفور لا من حيث الثقافة ولا من حيث الصمود و تضحية أبنائها فما بالك بالتشارك مع مدينة متطورة في ظل مملكة عريقة تنعم بالاستقرار والرفاه منذ أكثر من 12 قرنا في ظل ملوك ضحوا بالغالي والنفيس من أجل شعب من أكثر الشعوب تقدما وولاء وازدهارا و تطورا في منطقي المغرب العربي جميعا....

أرجوا أن نتعلم معنى الوطنية والمواطنة بدل التظاهر وتضليل المواطنين الأبرياء والسذج. أتمنى أن نضحي من أجل بناء وطننا و انتشاله من مستنقع الضياع و التدهور لعله ينافس على أحسن و أجمل عاصمة في العالم في عام 200111 بدل 2011....

Facebook; Elycheikh Bah Ahmedtolba